فتاة غير مسلمة تقدّم وجبات إفطار في المسجد الجامع منذ ثلاث سنوات لنشر المحبة والتسامح

17-03-2025  آخر تحديث   | 16-03-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
فتاة غير مسلمة تقدّم وجبات إفطار في المسجد الجامع منذ ثلاث سنوات لنشر المحبة والتسامح
فتاة غير مسلمة تقدّم وجبات إفطار في المسجد الجامع منذ ثلاث سنوات لنشر المحبة والتسامح

 

آمنة فاروق/نيودلهي

"يعاني العالم من مشاعر الكراهية، ولا سبيل للتغلب عليها إلا بالمحبة. فمن الضروري أن نحترم بعضنا البعض، ونحترم أديان الآخرين، وأعيادهم، وتقاليدهم. فعدم اتباع هذا النهج قد يؤدي إلى التفرقة وزعزعة السلام في مجتمعنا. ولهذا، جاءت هذه المبادرة كمحاولة لتعزيز التفاهم والوحدة والتآخي والتسامح".

هذه هي رؤية وفكر نِيها بهارتي، التي باتت رمزًا للتعايش والمحبة في العاصمة الهندية دلهي، حيث لفتت الأنظار بمبادرتها الإنسانية لتنظيم إفطار الصائمين في المسجد الجامع الملكي منذ السنوات الثلاث الماضية. وتعيش نيها بهارتي في حي "تشاوري بازار" قرب المسجد الجامع، وقد جعلت من توفير وجبة الإفطار لمئات الصائمين كل مساء خلال شهر رمضان رسالة إنسانية تعكس قيم التآخي والتضامن بين أفراد المجتمع.

وترى نيها أن مبادرتها ليست مجرد عمل خيري، بل هي جسر يمتد بين القلوب، ينشر روح المحبة والتسامح، ويعزز قيم التعايش السلمي. وهي واثقة بأن مثل هذه المبادرات ستنمو وتتكاثر، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر انسجامًا ووحدة. وإنها نظرة متفائلة لمستقبل يسوده الاحترام المتبادل، حيث يصبح التسامح هو اللغة السائدة بين الجميع.

وقالت نيها بهارتي، خلال حديثها مع "آواز دي وائس" في المسجد الجامع: "منذ طفولتي، كنت أجد راحتي وسكينتي في تقديم الطعام للآخرين، ويمنحني توفير وجبات الإفطار للصائمين الشعور ذاته. فهو ليس مجرد خدمة للصائمين، بل وسيلة لبناء جسور التواصل بين الطوائف المختلفة، مما يسهم بشكل فاعل في تعزيز أسس الوطن".

وتجدر الإشارة إلى أن نيها بهارتي تعيش بالقرب من المسجد الجامع في منطقة "تشاوري بازار". وعن مهمتها، تقول: "أنا ابنة دلهي القديمة، وقد نشأت في هذا المكان. لم يعلّمني والداي يومًا التمييز بين الهندوس والمسلمين، بل غرسا فيّ قيم المحبة والتعايش. ورغم أن الظروف اليوم تغيرت، وأصبح المجتمع يعاني من تزايد مشاعر الكراهية، فإنني أؤمن بأن التربية القائمة على التسامح قادرة على مواجهة ذلك. ومنذ ثلاث سنوات، نحرص على تنظيم موائد الإفطار طوال أيام شهر رمضان في المسجد الجامع، في محاولة لنشر روح الوحدة والتآخي".

وأضافت نيها بهارتي: "أُعدّ وجبات الإفطار في المنزل بمشاركة والديّ، وأخي، وزوجته، وأصدقائي. والداي يتوليان الجزء الأكبر من عملية الطهي، بينما أكون مسؤولة عن تعبئة وجبات الإفطار بعد تجهيزها، ثم نقلها إلى المسجد لتوزيعها على الصائمين".

وتابعت نيها بهارتي قائلةً: "رغم أنني أتولى تنظيم هذا العمل بمفردي، فإن هناك العديد من أيادي المساعدة. وفي الواقع، أحصل على دعم كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُجمع التبرعات ليس فقط من داخل الهند، بل من خارجها أيضًا. فالناس يقدّرون العمل الخيّر ويساهمون فيه. ولقد ذكرتُ أنني غير مسلمة، ورغم ذلك، أنا من يتولى تنظيم الإفطار هنا. والمثير للاهتمام أن غير المسلمين أيضًا يقدّرون هذا الجهد ويدعمونه، بل ويساهمون في تمويل وجبات الإفطار".

وأكّدت نيها بهارتي: "لقد منحني والداي الشجاعة للمضي قدمًا في هذا الطريق. وفي البداية، واجهت بعض السخرية، حيث استغرب البعض قيام فتاة هندوسية بتنظيم إفطار الصائمين خلال شهر رمضان. لكنني لم أكترث لهذه التعليقات، بل ركّزت على هدفي. في كل مجتمع، هناك من يكتفي بالانتقاد والسخرية دون أن يساهم في صنع التغيير. وبفضل التزامي وإصراري، أنا في طريقي الآن إلى إكمال ثلاث سنوات في تنظيم الإفطار، واليوم بات الجميع، سواء من عامة الناس أو الشخصيات البارزة، يشيدون بهذه المبادرة ويدعمونها".

وأردفت بهارتي قائلة: "أعرب سكان حيي عن سعادتهم بهذه المبادرة، وقد تلقيت الكثير من الحب والدعم من جميع الجهات. وفي كل مرة أتيت فيها إلى هنا، كانت مشاعر المحبة والاحترام واضحة بشكل يفوق الوصف. وليس ذلك فحسب، بل حتى عندما أذهب إلى أماكن أخرى، أجد التقدير والمحبة تحيطان بي من الجميع".

وعن تنظيم الإفطار في المسجد الجامع، تقول نيها: "نحرص على تقديم وجبات متنوعة يوميًا، حتى يكون الإفطار تجربة مميزة للصائمين. وفي بعض الأيام نقدّم الفواكه الطازجة، وأحيانًا نعدّ الكجوريات الشهية، وفي أيام أخرى نحضّر المشروبات المنعشة والبكوري. فإننا نهتم بالتجديد والتنوع، لأننا نريد أن يشعر الصائمون بالسعادة والراحة عند تناول وجبة الإفطار، دون أن يتكرر عليهم نفس الطعام يوميًا. فالتنوع ليس مجرد مسألة طعام، بل هو تعبير عن المحبة والاهتمام بكل من يجلس على مائدة الإفطار".

اقرأ أيضًا: أجواء رمضانية في الجامعة الملية الإسلامية، ومبادرة "مائدة إفطار صائم"

وهذه الجهود تعكس أن نيها لا تقتصر فقط على توزيع الطعام، بل تسعى أيضًا لتقديم وجبات تتناسب مع أذواق الصائمين وتفضيلاتهم، مما يُبرز مدى اهتمامها براحتهم وسعادتهم. فهي تدرك أن الإفطار ليس مجرد وجبة، بل هو لحظة تجمع بين الروحانية والدفء الإنساني، ولهذا تبذل قصارى جهدها لجعل كل يوم مميزًا للصائمين.