مؤسسة شاهين التعليمية بكَرناتاكا: نموذج للتعايش في رمضان

29-03-2025  آخر تحديث   | 29-03-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
مؤسسة شاهين التعليمية بكَرناتاكا: نموذج للتعايش في رمضان
مؤسسة شاهين التعليمية بكَرناتاكا: نموذج للتعايش في رمضان

 

طارق أنور / نيودلهي

في حرم مؤسسة شاهين التعليمية بمدينة بيدار في ولاية كَرناتاكا، لا يُعدّ الإفطار في شهر رمضان المبارك مجرد لحظة إفطار، بل مناسبة تمتد لتكسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي قد تفصل بين الناس. هنا، يجد الطلاب والطالبات من خلفيات دينية وثقافية متعددة أنفسهم في مساحة واحدة تُشجّع على الفهم، والمشاركة، والانتماء.

نشأت أنجلي في مدينة كاس غنج بولاية أترا براديش، ولم يكن لها أي صديقة مسلمة طوال حياتها. ولم يكن ذلك عن كراهية أو رفض، بل نتيجة تنشئة غير واعية، وقاعدة صامتة من الفصل بين الناس، تسلّلت إلى حياتها كحدود خفيّة لم تكن تراها، لكنها شعرت بها.

كل شيء تغيّر حين انتقلت إلى بيدار في ولاية كَرناتاكا، للالتحاق بالفصول التحضيرية لاختبار "NEET" في مؤسسة شاهين التعليمية. وهناك، وجدت نفسها وسط حرم جامعي يحتضن تنوّعًا مذهلًا من الثقافات والخلفيات الدينية. شعرت في البداية بعدم ارتياح، وكأن عقلها يذكّرها بالمسافات التي تربّت على الحفاظ عليها.

ولكن ثمّة ما كان يميّز الأجواء من حولها — دفء وترحاب لم تألفه من قبل.

وبدأ التحوّل الحقيقي مع حلول شهر رمضان. في كل مساء، ومع غروب الشمس، كانت أنجلي تشعر بتوق داخلي لا تدري كنهه.

تقول لـ "آواز دي وايس": "كنت أراقب الطالبات، المسلمات وغير المسلمات، وهن يجتمعن لتحضير وجبات الإفطار. وكانت الصواني مملوءة بالفواكه، والبكورا المقرمشة، وكؤوس المشروب الرمضاني "روح أفزا". ما أثار دهشتي أن زميلاتي الهندوسيات لم يكن مجرّد متفرجات، بل كنّ يشاركن بحب: يقدّمن الطعام والشراب لصديقاتهن الصائمات".

في إحدى الأمسيات، دفعتها زميلتها بلطف وقالت: "تعالي يا أنجلي، ساعدينا".

ترددت أنجلي. هل مكانها هناك؟ هل من المناسب أن تفعل ذلك؟

ولكنها رأت الابتسامات، والضحكات، والحماس المشترك.

وشيء ما في قلبها بدأ يلين… فالتردد تلاشى، والحدود الذهنية ذابت.

حملت طبقًا من التمر، وسارت به نحو طاولة التقديم. وهناك، نظرت إليها فتاة مسلمة بالكاد تعرفها نظرة دافئة، وقالت ببساطة: "شكرًا لك".

تقول أنجلي: "تلك اللحظة البسيطة من الامتنان حرّكت شيئًا عميقًا بداخلي. بقيت حتى النهاية أراقب زميلاتي وهن يفطرن. حينها أدركت أن الأمر لم يكن عن الطعام فقط، بل عن اللطف، والفهم، وكسر الحواجز التي بُنيت قبل أن نولد".

ومع مرور الأيام، أصبحت تنتظر الإفطار بكل شوق. ولم تعد تقف على الهامش، بل أصبحت جزءًا حيًّا من هذه التجربة. وإن الطقوس التي كانت غريبة عنها، أصبحت مألوفة. والوجوه التي بدت يومًا بعيدة، أصبحت قريبة.

"نجد السلام في القيام بذلك" قالت بصوت خافت.

ولأول مرة في حياتها، شعرت أنجلي بوحدة حقيقية، لا تلغي الاختلاف بل تحتضنه. "حين قدّمت الماء إلى صديقة صائمة، فهمت أن الوئام لا يعني أن نتشابه، بل أن نتقبل اختلافاتنا بقلوب مفتوحة".

وفي دفء الوجبات المشتركة، وصمت الدعاء، وجدت شيئًا لم تتوقعه يومًا- الانتماء.

وتابعت أنجلي: "ما إن تُجهَّز وجبات الإفطار، حتى يسلّمها إلينا طاقم المطبخ. نرتّبها معًا، أنا وزميلاتي المسلمات. نقطع الفواكه، ونحضّر العبوات، ونجهز المائدة. ثم نجلس سويًا — نأكل، ونضحك، ونتشارك لحظة إنسانية صافية. تبدو تلك اللحظات كعيد صغير، ودرس كبير في الفهم الحقيقي والتواصل".

واعترفت أنجلي بأنها لم تكن تعرف شيئًا عن رمضان من قبل. وكل ما تعرفه الآن تعلّمته هنا، من خلال المشاركة لا التلقين.

وهي نباتية، ومع ذلك لم تشعر يومًا بأنها غريبة في هذا الجو.

وتقول: "يوجد مطبخ مخصص للنباتيات، وأدوات طهي منفصلة. ولم أشعر يومًا بأنني في بيئة لا تُشبهني".

وتؤكد زميلتها فيشوا من بيدار: "لسنا مجرد زميلات، نحن عائلة. نحتفل بتقاليد بعضنا، ونتعلّم من بعضنا. وأشعر بأنني محظوظة حين أساعد صديقاتي المسلمات في تحضير وجبات الإفطار، والتناغم الحقيقي يكمن في الاحتفاء بالاختلافات، والتعلم من بعضنا البعض، واكتشاف القوة في وحدتنا".

وتقول فايشنافي وهي طالبة أخرى: "في لحظات كهذه ندرك أن الإيمان لا يُفرّق، بل يربط بيننا. وعلّمني الإفطار أن الحب والاحترام يتجاوزان حدود الدين. ونحن جميعًا خيوط في نسيج واحد".

وتقول فيشوا أيضًا: "المشاركة في تحضيرات الإفطار لا تتعلق بالطعام فقط، بل بالوقوف معًا، والتعلم من بعضنا البعض، وبناء عالم يشعر فيه الجميع بالانتماء. وإن روح المشاركة تُغنينا بطرق تتجاوز الأشياء المادية".

وتحرص الطالبات غير المسلمات هنا على ألا تصوم صديقاتهن المسلمات دون تناول وجبة السحور، فقالت فايشنافي: "نوقظهن جميعًا حتى لا تفوتهن وجبة السحور. إنه عمل بسيط، لكنه يعني الكثير. ونحن جميعا في هذا معًا".

وقال رياض الدين خان من شامباران في بيهار إن جميع الطلاب المسلمين الذكور يُرسلون إلى المعابد والمساجد والكنائس للتنظيف مرة واحدة سنويًا. وأضاف: "يهدف هذا إلى غرس قيم الشمولية والحساسية تجاه الديانات الأخرى والأماكن المقدسة".

وأضاف محمد سعد من أنانتابور في ولاية آندهرا براديش: "ينضم إلينا أصدقاؤنا غير المسلمين في تحضير وجبات الإفطار. يتطوعون معنا في جميع التحضيرات. ونتناول الطعام معًا، ونضحك معًا، وندعو لبعضنا البعض بالخير والبركة".

وأما جايا باتاك، مديرة قسم الطالبات فتقول: "من بين 900 طالبة في الحرم، هناك 300 مسلمة. تعيش جميعهن معًا في وئام تام، بلا أي تمييز ديني. وكل الأعياد هنا تُحتفل بها بروح من الوحدة والاحترام المتبادل".

اقرأ أيضًا: جايبور في رمضان.. مدينة تتلألأ بأضواء الإيمان وروائح الطعام

فبالنسبة إلى هؤلاء الطلاب والطالبات، فإن الإفطار ليس مجرد تقليد ديني، بل لحظة تحوّل، لحظة تنهار فيها الحواجز، وتُبنى فيها صداقات، وتزدهر فيها ثقافة التعايش والتفاهم. فمن خلال أعمال بسيطة من المشاركة، فإنهم يرسمون ملامح مستقبلٍ يُبنى على الاحترام والانسجام.