التكنولوجيات الناشئة في الهند: من قوة البرمجيات إلى ريادة المستقبل

04-04-2025  آخر تحديث   | 03-04-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | مجيب الرحمن 
التكنولوجيات الناشئة في الهند: من قوة البرمجيات إلى ريادة المستقبل
التكنولوجيات الناشئة في الهند: من قوة البرمجيات إلى ريادة المستقبل

 

مجيب الرحمن

لطالما عُرفت الهند بريادتها في قطاع البرمجيات، حيث تُشكِّل صناعة تكنولوجيا المعلومات إحدى الركائز الأساسية لاقتصادها، مُسهمةً بنسبة تتراوح بين 8-10% من ناتجها المحلي الإجمالي. وقد تطورت هذه الصناعة لتصبح واحدة من أبرز القطاعات الاقتصادية، تدعمها شركات هندية عملاقة مثل "تاتا للخدمات الاستشارية"(TCS)، و"إنفوسيس"، و"ويبرو" وغيرها الكثير، التي أسهمت في ترسيخ مكانة الهند بوصفها رائدة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويوفر هذا القطاع ملايين من فرص العمل للشباب الهنود، معزِّزًا التنمية الاجتماعية ورافعًا مستوى المعيشة لشريحة واسعة من السكان.

وإلى جانب ذلك، برزت الهند كقوة عالمية صاعدة في مجموعة واسعة من المجالات التكنولوجية المتقدمة، ومن بينها -على سبيل المثال- الذكاء الاصطناعي، الذي بات يؤثر في كل جوانب الحياة الحديثة بقوة كعاصفة هوجاء، والتكنولوجيا المالية، التي أحدثت ثورة في الخدمات المصرفية والمدفوعات الرقمية، من خلال نظام الدفع الموحد مثل "UPI". كما برزت الهند في مجال التكنولوجيا الحيوية، حيث أصبحت مركزًا لأبحاث اللقاحات والأدوية بفضل قدراتها التصنيعية الهائلة، فضلاً عن تكنولوجيا الفضاء، التي شهدت إنجازات مذهلة مثل إطلاق مهمات "تشاندرايان" و"مانغاليان" بتكاليف منخفضة وكفاءة عالية.

وتستثمر الهند أيضًا بشكل كبير في مجالات ناشئة مثل الحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء (IoT)، وتقنيات الجيل الخامس (5G)، مما يعكس رؤيتها الطموحة لتكون في طليعة الابتكار التكنولوجي العالمي. وتقود هذا التحولَ سياسات حكومية داعمة مثل مبادرة "الهند الرقمية"، وبنية تحتية تكنولوجية متطورة، وقاعدة واسعة من المواهب الهندسية والعلمية الشابة. ونتيجة لذلك، تعزز الهند مكانتها يومًا بعد يوم كمركز عالمي للابتكار، حيث تجمع بين القوة التقليدية في البرمجيات والطموح الحديث لقيادة الثورة التكنولوجية العالمية في القرن الحادي والعشرين، علمًا أن الهند تطمح لتكون دولة متقدمة بحلول عام 2047م حين تكمل الهند مأة عام من استقلالها من الاستعمار البريطاني. وتهدف الهند إلى توسيع اقتصادها ليصل إلى 7 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2030م، مما يستلزم التركيز الاستراتيجي على التكنولوجيات الذكية والمتقدمة. وبناءً عليه، أعلنت الحكومة الهندية في ميزانية 2024-2025، عن تخصيص 100 ألف "كرور" روبية (1 كرور يساوي عشرة ملايين) لتمويل البحث والتطوير على المدى الطويل، بما في ذلك تكنولوجيا الدفاع العميق. ووضعت الحكومة الهندية أيضًا خطة لتعزيز البحث والتطوير في التقنيات الناشئة والحيوية، مثل تقنيات الكم، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، والاقتصاد الحيوي. وفيما يلي تفصيل لهذه المجالات التكنولوجية الناشئة التي تبرز الهند فيها كقوة عالمية.

الذكاء الاصطناعي: ثورة في الابتكار

تُعد الهند اليوم واحدة من الدول الرائدة في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وبفضل قاعدة واسعة من المبرمجين والمهندسين المهرة، استثمرت الشركات والحكومة الهندية في استخدام الذكاء الاصطناعي لحل مشكلات محلية وعالمية. وعلى سبيل المثال، تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الزراعة لتحسين إنتاجية المحاصيل من خلال تحليل البيانات المناخية وصحة التربة، وهو ما يساعد ملايين المزارعين. كما أن شركات مثل "Niramai" طوّرت حلولاً مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن سرطان الثدي باستخدام التصوير الحراري، مما يعكس التقدم في القطاع الصحي. وأطلقت الحكومة الهندية أيضًا استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تحت شعار "AIforAll#"لتعزيز هذا المجال. وكما يؤكد الخبراء ونشاهده بعيوننا فإن الذكاء الاصطناعي سيقود ثورة الحاضر والمستقبل، تماما مثل ثورة الحاسوب التي غيّرت مجرى الحياة البشرية في خمسين سنة الماضية.

التكنولوجيا المالية: إعادة تعريف الخدمات البنكية

في قطاع التكنولوجيا المالية، برزت الهند كرائد عالمي، بفضل واجهة المدفوعات الموحدة (UPI)، وهي تقنية أحدثت نقلة نوعية غيّرت طريقة تعامل الناس مع المعاملات المالية تمامًا. وفي العام الماضي فقط، وتحديدًا في عام 2024م، تجاوزت معاملات "UPI" تريليون دولار سنويًا، مما يُظهر اعتماد ملايين الأفراد والشركات عليها. وكانت شركات مثل "بايتيم" و"فون بي" في طليعة هذا التحول، حيث قادت زمام المبادرة، بينما تدفقت استثمارات أجنبية ضخمة إلى هذا القطاع. وتُشارك الهند خبراتها في مجال التكنولوجيا المالية مع العالم، وتُصدر خبراتها، وتُرسّخ مكانتها كمركز عالمي.

التكنولوجيا الحيوية: خطوات واعدة نحو الطب الحديث

يشهد قطاع التكنولوجيا الحيوية في الهند ازدهارًا كبيرًا، مما حوّل البلاد إلى مركز عالمي لإنتاج اللقاحات والأدوية بأسعار معقولة. وخلال جائحة كوفيد-19، برزت شركات مثل "معهد سيروم الهندي" كأكبر منتج للقاحات في العالم. والآن، تُركّز الهند بشكل كبير على مجالات متطورة مثل تعديل الجينات باستخدام تقنية "CRISPR" والطب الشخصي، معتمدةً على نقاط قوتها في البحث العلمي بأسعار زهيدة مقارنةً بالدول الغربية. ولنأخذ مدينة حيدر آباد، التي تُلقب بـ"عاصمة التكنولوجيا الحيوية" في الهند، كمثال، فهي تجذب استثمارات عالمية وتستضيف مراكز بحثية متقدمة للغاية، مما يضع الهند على الخريطة العالمية بقوة.

تكنولوجيا الفضاء: طموح يصل إلى النجوم

لم تتوقف طموحات الهند عند الأرض، بل امتدت إلى الفضاء. فإن منظمة أبحاث الفضاء الهندية حقّقت إنجازات مذهلة بتكلفة منخفضة، مثل إطلاق مهمة "تشاندريان-3" التي هبطت بنجاح على القمر في 2023م، مما جعل الهند رابع دولة تحقق هذا الإنجاز. كما أن مشروع "غاغانيان"، الذي يهدف إلى إرسال رواد فضاء هنود إلى المدار بحلول 2025م، يعكس التقدم الكبير في هذا المجال. وتبرز الهند أيضًا بقوة كبيرة في صناعة الأقمار الصناعية التجارية، حيث تطلق أقمارًا صناعية لدول أخرى بأسعار تنافسية.

الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء

تسعى الهند لتكون رائدة في التكنولوجيات الخضراء، حيث تستثمر مبالغ هائلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويعكس التحالف الدولي للطاقة الشمسية، الذي بادرت الهند إلى إنشائه، ويعد المنظمة الرائدة في هذا المجال، التزام الهند بمستقبل مستدام. وشركات مثل "أداني جرين إنرجي" تقود مشاريع ضخمة لتوليد الطاقة النظيفة، بينما تُطوّر الشركات الناشئة تقنيات مبتكرة لتخزين الطاقة وإدارة النفايات. وتركز الهند بشكل كبير على تطوير حلول الطاقة النظيفة، ويأتي في مقدمتها تكنولوجيا تخزين الطاقة، أي البطاريات، لأن العالم الآن مقبل بقوة على التخلي عن الوقود الأحفوري واعتماد مصادر الطاقة البديلة، ولسوف تحل البطارية محل الوقود الأحفوري لتسيير السيارات والمركبات التي تعد المصدر الأكبر للتلوث في العالم، في القريب العاجل.

التحديات والمستقبل

رغم هذا التقدم، تواجه الهند تحديات مثل نقص البنية التحتية في بعض المناطق، وتفاوت مستوى التعليم، وضرورة تعزيز الابتكار المحلي بدلاً من الاعتماد على الاستعانة بمصادر خارجية. ولكن مع قوة بشرية شابة وطموحة، وسياسات حكومية داعمة مثل "الهند الرقمية" و"صنّع في الهند"، والتطلع إلى جعل الهند دولة متقدمة بحلول عام 2027م، فإن الهند في طريقها لتصبح مركزًا عالميًا للتكنولوجيات الناشئة.

اقرأ أيضًا: وزارة الشؤون الخارجية: الهند سلّمت 625 طنًا من المساعدات الإنسانية إلى ميانمار في إطار عملية "براهمَا"

ولم تعد الهند مجرد سوق استهلاكية أو مزودًا لخدمات البرمجيات، بل أصبحت قوة إبداعية تسهم في تشكيل مستقبل التكنولوجيا العالمية. فمن الذكاء الاصطناعي إلى استكشاف الفضاء، ومن التكنولوجيا المالية إلى الطاقة المتجددة، تثبت الهند يومًا بعد يوم أنها في طليعة الدول الرائدة في الابتكار التكنولوجي. وإذا استمرت في مسارها الحالي، فمن المتوقع أن تصبح واحدة من القوى التكنولوجية الكبرى في القرن الحادي والعشرين.

أ. د. مجيب الرحمن هو رئيس مركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي