الإبل: تاريخها وثقافتها وأثرها في المجتمع الهندي (1)

20-03-2025  آخر تحديث   | 20-03-2025 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | صهيب عالم 
الإبل: تاريخها وثقافتها وأثرها في المجتمع الهندي
الإبل: تاريخها وثقافتها وأثرها في المجتمع الهندي

 

صهيب عالم

تحظى الإبل بمكانة عميقة وعزيزة لدى سكان ولاية راجستان عبر التاريخ، فهي سفينة الصحراء التي اعتمد عليها الأوائل الراجستانيون في حلهم وترحالهم. وتؤكد آية كريمة مكانتها الراسخة في وجدان البشر، حيث قال الله تعالى "أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ" وذلك للدلالة على ما للإبل من خصائص فريدة تستدعي التأمل والتدبر. وكان لهذا الحيوان دور مهم في الحياة العامة إلى جانب أهميته في الجوانب الاقتصادية؛ سواء التجارية أو الزراعية، فضلاً عن دوره العسكري في الحروب والمعارك. كما تعد الإبل رمزًا وأيقونة للبيئة الصحراوية في راجستان، وجزءًا من التراث الذي عاش عليه الراجستانيون.

وتمتلك الهندُ بصفة عامة، وولاية راجستان بصفة خاصة، عددًا كبيرًا من الإبل، حيث تؤدي دورًا حيويًا في تعزيز الثقافة البشرية ودعم الاقتصاد القروي في ولاية راجستان. كما تُعَدُّ من العناصر الأساسية في الدفاع العسكري على الحدود الرملية للهند وفي مهام الحراسة. ومع ذلك، يتناقص عددها يومًا بعد يوم بشكل مدهش، إذ انخفض من قرابة مليون جمل عام 1961م إلى نحو 200 ألف جمل في الوقت الحاضر.وتضم ولاية راجستان نحو 80% من الإبل التي تربى لأغراض النقل وإنتاج الصوف والحليب والزراعة وغيرها. وفي المقابل، يوجد عدد قليل من الإبل في الولايات الهندية الأخرى مثل غوجارات، وهاريانا، والبنجاب، وأوترا براديش، ولَدَّاخ وغيرها.

وترتبط طائفة رايكا ارتباطًا وثيقًا بالإبل منذ أزمنة قديمة، كما تقوم طوائف الراجبوت، والبيشنوي، والجات، والكوجر، إلى جانب المسلمين السنديين، بتربيتها. وتُعد الإبل مصدر رزق أساسيًا للمجتمعات التي تعيش في المناطق الصحراوية القاحلة، حيث تُستخدم في النقل، ونقل البضائع، وإنتاج الحليب، وغيرها من المنتجات، خاصة في صحراء ثار ومناطق أخرى من ولاية راجستان. وتُساهم رحلات السفاري بالإبل وسباقات الهجن والعروض الثقافية في الاقتصاد المحلي. وتستخدم للإبل أسماء متعددة وفقًا لأعمارها مثل السليل أو السقب، والحوراء، والمخلول، والمفرود أو الفصيل، واللقي والحق، والجذع، والثني، والرباع، والسديس، والفاطر، والقعود، والناب، والعود، والثلب، والهرش وغيرها.

وينتمي رعاة الإبل في منطقة كومبالغار إلى طائفة رايكا، وهي طائفة هندوسية، ومن أشهر رعاة الإبل في راجستان. ووفقًا للأسطورة الرائجة في ولاية راجستان، كلّف الإله شيفا هذه الطائفة برعاية الإبل، بعد أن صممت زوجته بارفاتي أول جمل من الطين. وبناءً على هذه الأسطورة، لا يزال الجيل الأكبر سنًا من هذه الطائفة يشعر بمسؤولية رعاية الإبل والحفاظ عليها لبقائها. وإذا سُئل أحد أفراد طائفة رايكا عن هويته، فسيجيب بفخر بأنه راعي إبل. ويُعد أهالي رايكا رعاة الإبل الوحيدين في العالم الذين يُحرِّمون ذبح الإبل وأكل لحمها. كما كانوا يحظرون بيع إناث الإبل، وبيع حليبها وصوفها، ومعالجة حليبها تقليديًا. وكانت المنتجات الوحيدة القابلة للتسويق تقتصر على ذكور الإبل الصغيرة وروثها. وتتناقل الأجيال قصصهم ورواياتهم عن الإبل، التي يرويها أصحابها ومربوها بشغف.

وأما فيما يتعلق بوصول الإبل إلى الهند، فثمّة روايات متعددة تروي كيفية وصولها إلى راجستان. ومن أشهر الروايات هي أن مالك العقارات بابوجي ثاكور من كولوماند القريبة من بُوكرَان الذي عاش في القرن الرابع عشر وعد ابنة أخيه بأنه سيمنحها إبلاً حمراء وبُنيّة كهدية زفاف، ولو أنه لم يكن يدري من أين يحصل عليها، فطلب الدعم من أصدقائه، وقبل هارميل رايكا هذا الطلب، وعبر رايكا البحار إلى لانكا، وسرق قطيعًا من الإبل من رافانا، فبدأ الناس يعتقدون بأن الإبل جاءت أصلاً من سريلانكا.

والرواية الأخرى التي تبدو أكثر مصداقية، تفيد بأن الإبل دخلت السند عام 711م مع قافلة محمد قاسم الثقفي الذي كان معه 3000 جمل عند وصوله إلى الهند. ويُعتقد بأن الإبل، وخاصة الإبل ذات السنام الواحد، تنحدر من الإبل البرية ذات السنام الواحد التي نشأت في شبه الجزيرة العربية، وتوجد الآن بشكل رئيس في ولايتي راجستان وغوجارات. ويشهد التاريخ على أن الأفغان الذين كانوا يأتون إلى الهند، بدءًا من محمود الغزنوي في عام 997م، مروا بجيسالمير، واستخدموا الآلاف من الإبل لنقل المياه أثناء عبورهم الصحراء. ومنذ القرن الثاني عشر فصاعدًا، اُستخدمت الإبل أيضًا للتجارة العابرة بين الهند والدول المتجاورة وصولاً إلى جنوب آسيا، إذ تشير إليها بعض اللوحات التذكارية في معابد كيرادو في منطقة بارمير. وفي القرن السادس عشر، أنشأ الإمبراطور المغولي أكبر وأمراء راجستان فيلق الجمال للحرب. وكان لديهم قطعان لتربية الجمال، والتي كانت ترعاها رايكا. وفي عام 1889م، أنشأ المهراجا جانجا سينغ من بيكانير فيلق جانجا ريسالا الشهير المتكون من 500 رجل وجمال، وأُدخلتْ الإبل في فيلق الخدمة الإمبراطورية أيضًا، وخدمت في الشرق الأوسط ومصر والدول الأخرى. وفي الأربعينيات من القرن العشرين، قام الأمراء بحل قطعان تربية الإبل الخاصة بهم، واستولت رايكا عليها. وفي منتصف القرن العشرين، أصبحت عربة الجمال ذات العجلتين المجهزة بالإطارات المستعملة شائعة، وازداد الطلب على الإبل لجر العربات، وفي الستينيات من القرن العشرين، بلغ عدد الجمال ذروته حوالي 1.1 مليون؛ ومع ذلك، بدأ الانخفاض في أوائل التسعينيات. وتشتهر هذه الطائفة بصلتها الوثيقة بالإبل ودورها في تربية الإبل ورعايتها. وتعتمد هذه الطائفة أيضًا على الإبل في معيشتها، حيث تستخدمها لأغراض النقل وإنتاج الحليب وما إلى ذلك.

وكانت الإبل تعتبر عمودًا فقريًا لطرق القوافل التجارية التي تربط بيكانير بالمراكز التجارية العالمية الأخرى، مما أتاح تبادل السلع والأفكار والثقافات. وأدّت الإبل دورًا محوريًا في طرق التجارة التاريخية في بيكانير، حيث سهّلت تبادل البضائع بين الهند وآسيا الوسطى والشرق الأوسط. وعبَرت القوافل المحملة بالبضائع الثمينة الصحراء، مُنشئةً روابط بين الثقافات والحضارات. كما قامت هذه القوافل بدور كبير في تطوير الأسواق وازدهارها على طول الطرق. وكان تقدم بيكانير وازدهارها مرتبطًا وثيقًا بهذه الطرق التي مرت بالصحراء. وكانت الإبل تُستخدم في نقل البضائع، مثل التوابل والمنسوجات والمعادن النفيسة، بين مختلف المناطق. ومهدت هذه القوافل سبل تعزيز التبادل الثقافي الذي شكّل هوية المدينة. وقد جعلت موثوقية الإبل في التنقل عبر التضاريس الصحراوية القاسية منها موردًا لا يُقدر بثمن للتجار المحليين والتجار العالميين. وأثّر موقع بيكانير في صحراء ثار الشاسعة تأثيرًا كبيرًا في تطور تربية الإبل فيها، لأن هذا الحيوان قادر على البقاء في مثل هذه الظروف، فجعلت تكيفاتها الفريدة الإبل رفيقًا مثاليًا للبشر في هذه البيئة الصعبة. وتتلاءم الإبل تمامًا مع بيئة بيكانير القاحلة نظرًا لقدرتها المذهلة على التحمل بدون ماء إلى فترة طويلة، واعتمادها على النباتات النادرة. وتُمكّنها أقدامها العريضة والمبطنة من المشي على الكثبان الرملية المتحركة دون أن تغرق، بينما تُخزّن سنامتها احتياطيات من الدهون التي يُمكن تحويلها إلى الطاقة والماء. وقد أتاحت هذه التكيفات للإبل قدرة عبور الصحراء الشاسعة، مما جعلها جزءًا مهمًا للنقل والتجارة، ولذلك لقبت بـ "سفينة الصحراء". ويجذب السياح من جميع أنحاء العالم إلى هذه المدينة لتجربة رحلة السفاري على ظهر الإبل عبر صحراء ثار، مما يُتيح فرصة فريدة لاستكشاف جمال المنطقة وتراثها الثقافي الغني. وتُوفّر رحلات ركوب الإبل صلة حقيقية بتاريخ المدينة وجغرافيتها، يعزز صناعة السياحة المحلية. ولهذه الإبل مكانة خاصة في مهرجانات بيكانير وتقاليدها. فمهرجان بيكانير للإبل يتضمن سباقات الهجن، وعروضًا فنية وحرفًا يدوية للمنطقة. وتقوم الإبل بدور مهم في المواكب الدينية والثقافية، مما يؤكّد على أهميتها في نمط الحياة المحلي. وتحظى باهتمام كبير لدورها في صناعة حليب الإبل الذي يتكون من التشكيلات الغذائية الفريدة والفوائد الصحية. ومع تزايد الوعي بهذه الفوائد، تزدهر صناعة حليب الإبل، وتساهم في النمو الاقتصادي لبيكانير.

مبادرات الحكومة الهندية للحفاظ على الإبل

إدراكًا للأهمية البالغة للإبل في حياة أهالي راجستان، اتخذت الحكومة الهندية بالتعاون مع ولاية راجستان خطوات استثنائية لتعزيز تربية الإبل والحفاظ عليها، وإجراء البحوث فيها، فأُنشئت مزارع الإبل ومراكز البحوث للدراسة عنها. واستهدفت هذه المبادرات ضمان الحفاظ على سلالات الإبل الأصيلة واستكشاف إمكاناتها التي تتجاوز أدوارها التقليدية التاريخية. وأنشأت حكومة الهند مركزًا باسم المركز الوطني للبحوث عن الإبل (NRCC) في مدينة بيكانير عام 1986م لتحقيق هذه الأهداف المنشودة. ويقوم هذا المركز بدور محوري في إجراء البحوث فيها والحفاظ عليها. ويُعدّ هذا المركز منارةً للتراث الثقافي والجهود العلمية، حيث يُجسّد العلاقة الراسخة بين أهالي راجستان وإبلهم العزيزة، ويوفر منبرًا للبحث العلمي والابتكار لتحسين صحة الإبل وإنتاجيتها ورفاهيتها. وقام المركز بدور ملحوظ في حماية مستقبل الإبل في راجستان. وتكمن الأهمية التاريخيّة للمركز في دوره كوصي على تراث راجستان الغني في تربية الإبل، والذي يعود تاريخه إلى قرون ماضية. وكانت الإبل جزءًا لا يتجزأ من المشهد الصحراوي، حيث كانت بمثابة شريان حياة للمجتمعات المحليّة من خلال توفير النقل والحليب والرفقة في ظروف الصحراء القاسية. وإن هذا المركز ليس مجرد مؤسسة علمية؛ بل هو متحف حي للتراث الثقافي لراجستان. ومن خلاله يمكن فهم عالم الإبل، والتعرّف على تاريخها وتركيبها وسلوكها من خلال المعارض والعروض التفاعليّة. وبإمكان الزائر أيضًا مشاهدة هذه العروض التقليدية، مثل سباقات الهجن والرقصات، التي تدل على وجود العلاقة الوثيقة بين الإنسان والإبل في راجستان. ومن خلال برامج التدريب ومبادرات التوعية، يُمكّن المركز رعاة الإبل من المعرفة والمهارات اللازمة لإدارة قطعانهم بشكل مستدام وتعزيز آفاقهم الاقتصادية.

وتواجه الإبل في راجستان تحديات متعددة من التحديث إلى تغير أنماط الحياة، ويظل المركز الوطني لبحوث الإبل حارسًا ثابتًا لتراث هذا الحيوان الأيقوني. وفي هذا المركز أقسام مختلفة بما فيها مختبرات البحوث والعيادات البيطرية وحظائر التربية وقسم التهجين والتلقيح، ويستخدم فيها أحدث التقنيات المبتكرة لتحسين صحة الإبل وإنتاجيتها ورفاهيتها. ويشجع المركز الحرف اليدوية والمنسوجات والأعمال الفنية المستوحاة من الإبل التي يبدعها الحرفيون المحليون. واعترفت الهند بتسع سلالات من الإبل: بيكانيري، وجيسلميري، وجالوري، وكوتشي، ومالفي، وميواري، وميواتي، وخراي، وسندي. وهي منتشرة في بيكانير والمناطق المجاورة لها في راجستان بشكل رئيس. وتوجد في منطقة ماروار (التي تشمل جودبور، وجالور، وبارمر) في راجستان الإبل المعروفة ببنيتها الضخمة وأرجلها الطويلة. كما توجد سلالة فريدة من نوعها في مقاطعة كوتش في ولاية غوجارات، والتي تقدر على السباحة. وفي أبريل 2008م، نظمت جمعية مربي الإبل في مدينة جيسلمير ندوة دولية بعنوان "الإبل في راجستان: من إرثٍ عريق إلى نقطة بيع فريدة" في جايفور، حضرها مربو الإبل من جميع أنحاء راجستان، إضافة إلى الخبراء الدوليين في إنتاج الألبان من الإبل من العالم العربي والدول الأوروبية.

اقرأ أيضًا: حديقة جيم كوربيت الوطنية: أكبر محمية للنمور في الهند

ووفقًا لتقرير حكومي صادر عام 2012م، انخفض عدد الإبل بنسبة 22.48% منذ عام 2007م، حيث يبلغ العدد الحالي للإبل في راجستان 325,713 فقط. ونتيجة لذلك، تم إعلان الإبل الحيوانَ الرسمي لولاية راجستان في 30 يونيو 2014م. ويختلف نظام إدارة الإبل تبعًا للمنطقة وكمية هطول الأمطار. ففي المناطق قليلة الأمطار، مثل مقاطعتي بارمير وجيسلمير، حيث تُمارس الزراعة فقط خلال موسم الرياح الموسمية، تتجول الإبل دون إشراف خلال جزء من العام. وأما في المناطق التي تُعدّ فيها زراعة المحاصيل مهمة، مثل مقاطعة بالي، فتُرعى الإبل على مدار العام. ويحدث التكاثر خلال فصل الشتاء الذي يمتد من ديوالي (عيد الأنوار) إلى هولي (عيد الألوان).

الدكتور صهيب عالم هو أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي