محبوب عالم
تُعد الحناء عنصرًا أصيلًا من تقاليد المرأة الهندية، في مختلف المناسبات السعيدة، وتمتد جذورها إلى آلاف السنين، حيث استخدمتها النساء لتزيين الأكف والسواعد بنقوش فنية متقنة تعكس جمالًا خاصًا، وتُعبّر في الوقت ذاته عن الاعتزاز بالثقافة والتراث.
ولا تكاد تخلو مناسبة من نقش الحناء، سواء كان عيدًا أو زفافًا أو احتفالًا عائليًا، إذ تحرص النساء والفتيات من مختلف الأعمار على تزيين أيديهن وأرجلهن بما يناسب أعمارهن وذوقهن. فتُرسم للفتيات الصغيرات نقوش بسيطة أو طبعات خفيفة تعبّر عن فرحتهن، بينما تتفنّن الشابات والسيدات في اختيار تصاميم دقيقة تزيّن الكفوف والسواعد والقدمين والساقين، لتكون الحناء لوحة من الجمال والإبداع. وأما كبيرات السن، فيُفضلن البساطة، مكتفيات بوضع الحناء على الكفين والقدمين من دون نقوش مزخرفة.
وتفضّل المرأة في الهند استخدام نوعين من الحناء: الحناء السوداء، والحناء الحمراء. وتُستخدم الحناء السوداء عادة في المدن، حيث تنتشر النقوش الدقيقة والرسومات العصرية ذات اللون الداكن. وأما الحناء الحمراء، وهي الحناء التقليدية، فلها حضور خاص في الأرياف والقرى، حيث تنمو شجيراتها هناك وتُقطف أوراقها مباشرة من الشجرة، ثم تُسحق يدويًا على حجر خاص حتى تصبح مسحوقًا ناعمًا يُستخدم بعد خلطه بالماء وملح الليمون ليصبح جاهزًا للنقش أو التزيين.
وتتميّز الحناء الحمراء بلونها الدافئ ورائحتها الطبيعية، وتُعد خيارًا مفضلًا لدى المرأة في القرى لكونها متوفرة محليًا، إضافة إلى ارتباطها بالعادات القديمة. ولا تقتصر استخدامات الحناء الحمراء في الهند على الزينة والنقوش، بل تُستخدم أيضًا لأغراض صحية، لما تمنحه من إحساس بالبرودة وراحة الجلد، خاصة في أيام الصيف.
ومن أبرز ما يميّز أجواء العيد في القرى والأرياف، اجتماع النساء والفتيات من الأسرة الواحدة في منزل واحد، حيث يجلسن في حلقات تتبادل فيها الضحكات وأحاديث العيد، بينما تتولى المتخصصات في نقش الحناء تزيين أيادي الحاضرات بنقوش متنوّعة، يتناوبن على رسمها بإتقان وذوق رفيع. وتتحول هذه الجلسات إلى لحظات دافئة من التلاقي العائلي والبهجة الجماعية.
وأما في المدن، فتقصد النساء صالونات التجميل أو الأسواق حيث تنتشر فنانات الحناء المحترفات اللواتي يتفنّن في رسم النقوش بأشكال عصرية وأنيقة تجمع بين التراث واللمسات الحديثة.
وقد نجحت العديد من الفتيات، خاصة المسلمات، في تحويل فن الحناء إلى مصدر دخل. وفي الأعراس والمهرجانات والمناسبات، يقدمن خدماتهن بإتقان، مما يمنحهن استقلالًا ماليًا ويفتح لهن باب العمل الحر.
ومع تطوّر الأذواق والاتجاهات، لم تعد التصاميم تقليدية فقط، بل باتت أكثر تنوّعًا وابتكارًا. وتحرص الفتيات في السنوات الأخيرة على نقش عبارات مثل "عيد مبارك" أو "رمضان كريم" أو "عيد سعيد" على أيديهن، كما تتفنن بعضهن في رسم الهلال أو حتى زخارف مستوحاة من الثقافة الإسلامية، وبهذا، تتحوّل اليد إلى مساحة فنية تعكس الروح الرمضانية والفرحة بالعيد.
واللافت في هذا المشهد الجميل أن معظم راسمات الحناء في المناطق ذات الغالبية المسلمة لسنَ مسلمات، بل من ديانات أخرى، وتحديدًا من الهندوسية، ويعملن بحب ومهارة في رسم الزخارف والتصاميم التي تعبّر عن روح العيد، مما يعكس صورة حية من التعايش والتآلف الاجتماعي بين فئات المجتمع الهندي.
وفي أماكن مثل "باتلا هاوس" في دلهي، وهي منطقة ذات كثافة سكانية مسلمة، الواقعة بجوار "الجامعة الملية الإسلامية" العريقة تشهد ليلة العيد حركة نابضة ومميزة، حيث تجلس النساء غير المسلمات – وهن راسمات الحناء – في صفوف طويلة، فمنذ غروب الشمس تبدأ طوابير طويلة من النساء والفتيات بالاصطفاف في الشوارع بانتظار دورهن في جلسة الحناء التي قد تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
وقالت إحدى راسمات الحناء غير المسلمات: "نحن نأتي إلى هنا منذ 15 عامًا في كل عيد فطر وعيد أضحى، ولا نشعر بأي خوف أو تمييز هنا، بل ننتظر هذه المناسبة السعيدة بفارغ الصبر. وهذا اليوم هو يوم رزق وفرح". وأضافت أن أرباحها في ليلة العيد تتراوح بين 15 و20 ألف روبية على الأقل، موضحة أن الأسعار تتراوح بين 100 و500 روبية، بحسب حجم النقش والتصميم.
كما تحدّثت نساء أخريات يعملن في النقش، وعبّرن عن نفس الشعور بالأمان والاحترام، مؤكدات أنهن يأتين في كل عيد الفطر وعيد الأضحى منذ أكثر من 10 سنوات، رغم كونهن غير مسلمات، ويجدن في هذا العمل مصدر رزق كريم وأجواء من الألفة والفرح.
اقرأ أيضًا: أجواء رمضانية في الجامعة الملية الإسلامية، ومبادرة "مائدة إفطار صائم"
ولا تقتصر سعادتهن على الجانب المادي فقط، بل يشعرن أيضًا بأنهن يشاركن في بهجة العيد وأجوائه الخاصة، في صورة جميلة من التعايش والتقارب الاجتماعي، حيث تتحول نقوش الحناء إلى رمز للمحبة والاحتفال المشترك.فالحناء في ليلة العيد ليست فقط لونًا على اليد، بل أثرًا في القلب.