مجيب الرحمن
الهند بلد من أغنى بلدان العالم بتعددياتها الدينية واللغوية والثقافية، ولا يوجد مثيل لها في العالم في التعددية، ويشكّل المسلمون جزءًا لا يتجزأ من نسيجها الثقافي والديني واللغوي، ويحملون معهم هذا التنوع أيضًا لكونهم منتشرين في مختلف ولايات الهند التي تحتضن تقاليد ثقافية فريدة خاصة بها، ومنها الأطباق الرمضانية التي تقدّم على موائد الإفطار، وتعكس كل ولاية هندية ثقافتها المحلية وموروثاتها الطهوية. ونحن إذ نمر بشهر رمضان، وندخل في العشر الأخير المبارك منه، وكجزء من رسالتنا في هذه المنصة الفريدة، نقوم بعرض العناصر الثقافية الغنية التي يقدمها المسلمون في الهند في هذا الشهر الفضيل. فإليكم بعض الأطباق الرمضانية التقليدية المشهورة في مختلف مناطق الهند. وتضم هذه القائمة فقط أشهر الأطباق الهندية، ولا تشمل جميعها، فإن موائد الإفطار الرمضانية تزخر بالعديد من الأطباق، بعضها شائع في مختلف المناطق، بينما يتميز بعضها الآخر بخصوصية محلية. ونظرًا لضيق المقام عن استيعاب جميعها، سنكتفي بذكر أشهرها.
"حليم حيدربادي" في حيدر آباد (تيلانجانا)
الحليم هو أحد أشهر وألذ أطباق الإفطار في حيدر آباد، ويحظى بمكانة خاصة في المطبخ الحيدرآبادي، خاصة خلال شهر رمضان المبارك. وهذا الطبق التقليدي ليس مجرد وجبة، بل هو جزء من التراث والثقافة المحلية، حيث يجمع بين المذاق الغني والقيمة الغذائية العالية.
يُحضَّر الحليم من مكونات بسيطة لكنها مليئة بالنكهة، مثل القمح المجروش، واللحم (غالبًا لحم الضأن وأحيانًا الدجاج)، والعدس، إلى جانب تشكيلة مميزة من التوابل العطرية التي تمنحه طابعه الفريد. وما يميزه حقًا هو قوامه الكريمي الناعم، الذي يتحقق عبر طهي المكونات على نار هادئة لساعات طويلة، ما يسمح باندماج النكهات بشكل مثالي. وتُضاف التوابل مثل الهيل والقرفة والقرنفل والفلفل الأسود، ويُزين بالسمن وماء الورد والكاجو المقلي، مما يضفي عليه لمسة فاخرة.
ويُقدَّم الحليم الحيدرآبادي ساخنًا، وعادةً ما يُزيَّن بالبصل المقلي، والكاجو المحمص، والكزبرة الطازجة، مع القليل من عصير الليمون لإبراز النكهة. وبفضل مكوناته الغنية، يُعد وجبة مشبعة توفر طاقة تدوم لساعات، ما يجعله خيارًا مثاليًا للصائمين في وجبتي الإفطار والسحور.
ولا يقتصر تقديم الحليم على رمضان فقط، بل يتواجد في المناسبات الاحتفالية والأعراس والتجمعات العائلية، حيث يُعتبر جزءًا لا يتجزأ من المطبخ الحيدرآبادي. وقد تجاوزت شهرته حدود الهند، ليصبح رمزًا للطعام التقليدي الذي يجمع بين الأصالة والمذاق الشهي، في تجربة لذيذة تناقلتها الأجيال عبر الزمن.
"غلوتي كباب"، ونهاري قولشي" في لكناؤ (أوترا براديش)
أما مدينة لكناؤ المعروفة عالميًا بثقافتها الغنية، وهي عاصمة ولاية أوترا براديش، فتحظى فيها الأطعمة مثل "نهاري قولشي"، و"غلوتي كباب" و"كاكوري كباب" و"شامي كباب"، بشعبية كبيرة على مائدة الإفطار. وتتميز هذه الأكلات بنكهتها الغنية والتوابل العطرية، وتقدم أكلات الكباب مع خبز "الرومالي روتي" أو "براق" (نوع من الفطائر المقلية المحشوة).
"نيلامبام بايزام" و"مالاباري باثيري" (ولاية كيرالا)
أما في ولاية كيرالا، فإن موائد الإفطار تزخر بتشكيلة متنوعة من الأطباق الشهية التي تعكس الغنى الثقافي للمطبخ الكيرالي. ومن بين أشهر هذه الأطباق نيلامبام بايزام، وهي حلوى لذيذة تُحضَّر من الأرز المطبوخ مع حليب جوز الهند والسكر، مما يمنحها مذاقًا كريميًا حلوًا لا يُقاوم. وهناك أيضًا موتّا باثيري، وهو خبز مسطح يُقدَّم عادةً مع كاري الدجاج أو اللحم، مما يجعله وجبة مشبعة ومليئة بالنكهات.
ولا تكتمل مائدة الإفطار في كيرالا دون الأطباق التقليدية الأخرى، مثل أبام وكالابام وبوتو، التي تُقدَّم غالبًا مع أطباق غنية مثل إيديابام (الشعرية المصنوعة من الأرز) وتابيوكا على البخار، إلى جانب الدجاج المشوي ويخنة لحم الغنم. وهذه الأطباق ليست مجرد وجبات، بل هي جزء من تراث المطبخ الكيرالي، حيث تجتمع النكهات المميزة والمكونات الطازجة لتُقدِّم تجربة إفطار لا تُنسى.
"غوغني" و"ميثا دوي" في كولكاتا (بنغال الغربية)
في بنغال الغربية، تعد غوغني، وهي عبارة عن الحمص المتبل، من الأطباق الأساسية على مائدة الإفطار، إلى جانب ميثا دوي (الزبادي الحلو)، الذي يُعتبر حلوى خفيفة منعشة. كما تعد أنواع من الأكلات المشوية مثل "بيغوني"، و"فولوري"، و"بوكورا"، وتشينغري مالاي كاري"، من الأطعمة العامة على مائدة الإفطار البنغالية.
"فروت تشات" و"تشولي" و"باكورا" (دلهي)
تشتهر العاصمة الهندية دلهي بأطباق متنوعة على مائدة الإفطار، منها "تشولي"، و"فروت شات"، (خلطة الفواكه مع الكريم) و"نهاري"، وهوعبارة عن يخنة لحم تُطهى لساعات مع التوابل القوية، ويتم تناولها عادة مع خبز "التندوري روتي" أو "براق"، إلى جانب أنواع من الباكورا (الطعمية) المصنوعة من البصل أو دقيق الحمص أو البطاطا أو الفلفل الأخضر أو اللحم وما إلى ذلك.
"فالودا" و"بوندي لادو" في مومباي (مَهاراشترا)
لعاصمة الهند الاقتصادية أي مدينة مومباي، أطباق خاصة بها، فيُعد الفالودا، وهو مشروب بارد مصنوع من الحليب، والشعيرية، وشراب الورد، والريحان، من المشروبات الرمضانية الشهيرة في مومباي. كما أن بوندي لادو، وهي كرات الحلوى المصنوعة من طحين الحمص، تُقدم على الإفطار كتحلية.
"هاري ساغ" و"تشيكن ياختي" (كشمير)
تشتهر كشمير بثرائها في الأكلات والأطعمة، وأما مائدة الإفطار فيتم تزيينها بأطباق تقليدية مثل "هاري ساغ"، وهو طبق من السبانخ المبهرة، و"تشيكن ياختي"، وهو دجاج مطبوخ في صلصة الزبادي مع التوابل الكشميرية الفريدة، إلى جانب أنواع من المأكولات المشوية.
"كشوري" و"تشورا" و"موري" و"الغوغني" (ولاية بيهار)
أما ولاية بيهار فتشتهر على مائدة إفطارها أكلات مثل الكشوري، وهو خبز محشو بعدس متبل، من الأطباق الرمضانية الشهيرة، إلى جانب تشورا وموري والغوغني، وأنواع من الباكورا، وغيرها من الأطباق اللذيذة.
"ناناري شربت" و"باروتا مع شوربة الدجاج" (تاميل نادو)
في ولاية تاميل نادو، يُشتهر ناناري شربت كمشروب منعش للإفطار، إلى جانب باروتا مع شوربة الدجاج، وهو خبز مقرمش يُغمس في مرق لذيذ.
"بُورا بيتا" و"ماسور دال فادا" (آسام)
في آسام، يتم تقديم بُورا بيتا، وهي فطائر أرز محشوة بجوز الهند والسكر، مع ماسور دال فادا، وهي كرات مقلية مصنوعة من العدس الأحمر والتوابل إلى جانب أنواع الباكورا التي تشكل جزءًا أساسيًا على موائد الإفطار في مختلف مناطق الهند.
اقرأ أيضًا: أجواء رمضانية في الجامعة الملية الإسلامية، ومبادرة "مائدة إفطار صائم"
ختامًا، يمثل تنوّع الأطباق الرمضانية على موائد الإفطار الهندية ثراءً مذهلاً للأكلات الهندية وتعددية الثقافات على مستوى عموم الهند. فموائد الإفطار الهندية لا تقتصر على كونها مجرد وجبة، بل هي احتفال يومي بالنكهات والتقاليد، حيث تجتمع المأكولات الشهية مع الحلويات والمشروبات التقليدية، مما يضفي على الشهر الفضيل أجواءً دافئة ومميزة تترك ذكريات لا تُنسى.
أ. د. مجيب الرحمن هو رئيس مركز الدراسات العربية والإفريقية بجامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي