قمر شعبان
مثل البلدان العربية والإسلامية الأخرى؛ للمسلمين الهنود، أيضًا، تقاليد رمضانية عريقة للتسحير بأنواع الأساليب والوسائل من الأناشيد، والأزجال الدينية، والترانيم الإسلامية-الشعبية، وشعر مديح الرسول-صلى الله عليه وسلم-، والخطب الدينية، باللغات الهندية المختلفة الفصحى، وباللهجات الدارجة المحلية المختلفة؛ وإن المفهوم الشائع والذائع لهذه الوسائل في كل هذه اللغات، واللهجات يتلخص في المقولة العربية الشائعة في الوطن العربي: "يا أهل الله! يا أيها المؤمنون! يا إخوة الإسلام والدين! قوموا لتسحروا"، أم "يا إخوة الإسلام والدين! لقد حان وقت السحور، استيقظوا وتسحروا". وهذا صحيح أن الأساليب تتغير بتغير الزمان والمكان، كما تتقدم بالتقدم التكنولوجي، والتقدم الآلي؛ من الضرب على الدف إلى الضرب على الطبلة، إلى دق الأبواب بالعصا إلى استخدام الصفارات، ورن الجرس، ومكبرات الأصوات من على مآذن المساجد.
المسحر أو المسحراتي في التقاليد الشعبية الهندية
إن المسحراتي التقليدي في بعض المناطق والمدن الهندية يتجول راجلا داخل الحارات بالدف أو الطبلة، أو الجرس الصغير، ويتجول في بعضها راكبا الدراجة مع مكبرة الصوت المحمولة من حارة إلى أخرى. كما بدأ التسحير يروج مؤخرًا عن طريق الإعلان بوقت السحور، بمكبرات الأصوات المسجدية، إلى جانب اهتمام المسلمين في بعض المناطق بتشغيل المسجلات الصوتية لتلاوة آي من الذكر الحكيم في أصوات كبار المقرئين المعروفين، وأئمة الحرمين الشرفين، وكذلك بتشغيل المسجلات الصوتية لشعر حمد الله تعالى، ونعت النبي -صلى الله عليه وسلم-، وخطب دينية للوعاظ في اللغات المحلية، إلى أن ينتهي وقت السحور أو قبله بخمس دقائق. وأحيانًا يكون التسحير في مدينة واحدة على أساليب وطرق مختلفة باختلاف المناطق وباختلاف الأحياء والحارات.
المسحّراتي في مدينة حيدرآباد
في الساعة الثالثة والنصف تقريبًا عند السحر عام 2004م كنت أغُطُّ في النوم، إذ سمعت أزجالا دينية مخلوطة من رنين الجرس، ونبرات ألحان، وإيقاعات، وأبواح تتولد منها موسيقى خلابة تفتنن بها الأسماع، وتلتذ منها الآذان، فأشرفت من النافذة على الشارع الأمامي فإذا به مسحراتي يرتدي ملابس تقليدية، معمما بعمامة خضراء يتجول داخل الحارات من واحدة إلى أخرى إلى ثالثة، والناس متعودون على النهوض للسحور بسماع ألحانه الفاتنة اللطيفة الرقيقة. ومنذ ذلك اليوم بتُّ أتربص تلك النغمات الحلوة عند السحور لأتمتع بها، وأنتهض للتسحر؛ فمن ذا الذي لا يتنبه لمثل هذا المسحراتي السائغ سماعه، والذي يستحق من كل مسلم صائم الأجرَ والمثوبةَ عند الله تعالى. وفي منطقة أخرى من مناطق حيدرآباد القديمة لا زال شاب يدعى عظيم الدين يقوم بإيقاظ المسلمين للتسحر، يركب دراجة نارية صغيرة، ومعه بعض المسجلات الصوتية للشعر الإسلامي، يُشغِّلها، ويوقظ بها الناس، وأثناء ذلك، يهتف هو عينه بصوت جهوري عال: "يا إخوة الإسلام والدين! يا أيها الصائمون! قوموا لتسحروا"؛ لقد حكى عظيم الدين أن جده كان يشتغل بهذه المهمة، وبعدما توفي جده، اشتغل بها أبوه لمدة غير قصيرة من الزمن، وبعد وفاة أبيه، ظل هو نفسه يؤدي دور المسحراتي، وهو بذلك سعيد وفخور.
ولكن طريقة التسحير في المناطق الأخرى في حيدرآباد الجديدة، لقد تغيرت تغيرًا كثيرًا، فيقوم المؤذن بالإعلان عن وقت السحور منذ ساعة من مكبرة الصوت من المسجد هاتفًا بصوت واضح: "إخوتي في الدين! استيقظوا لتسحروا، بقيت لكم ساعة" ثم يردد الإعلان نفسه بعد كل عشر دقائق، حتى يحين وقت الفجر.
المسحراتي في ولاية آسام ومناطق شمال شرق الهند
في المناطق البلدية في ولاية آسام، عادةً، يهتم المسلمون بضبط المُنبِّه للسحور في ساعات الهواتف المحمولة، كما كان الناس يستخدمون ساعات الطاولة لضبط المنبه في قديم الزمان. ولكن المسلمين في المناطق الريفية يهتمون بالإعلان من مآذن المساجد بمكبرات الأصوات عن وقت السحور، بعد كل ربع ساعة حتى ينتهي الوقت.
المسحراتي في بعض مناطق غرب البنغال
قديمًا، كان بعض الشباب يتجولون في القرية، ويدقون الأبواب بعصيهم منبهين، وموقظين للصائمين. وأما في يومنا هذا، فنرى فيها تغيرًا كبيرًا في ذلك، في بعض القرى، يقوم مؤذن المسجد بالإعلان عن وقت السحور، في كل عشر دقائق. وفي بعض القرى، يهتم بعض المشيخة بتلاوة آي من القرآن الكريم حينًا، وبقراءة الصلاة والسلام على النبي-عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- حينًا آخر، وفي بعض القرى يُشغَّل المسجل الصوتي لخطب المقرئ والعالم المعروف في شبه القارة الهندية المدعى بـ"قارئ حنيف"، صاحب أسلوب يختلط من البوح، والإيقاع، والبكاء، وترنم الشعر، والكلام المقفى والمسجع، يلتذ منه السماع، وترتاح له المشاعر، عندما يسرد قصص الأنبياء، وقصص الصائمين والقائمين يهب له الناس من النوم راغبين متلهفين. وفي بعض القرى في مناطق غرب البنغال، تشغل المسجلات الصوتية لشعر الحمد والنعت، والقصائد المشوِّقة إلى العمل الخيري والصيام والقيام. كما يهتم بعضهم بتشغيل المسجل الصوتي لتلاوة آي من القرآن الكريم في أصوات أئمة الحرمين الشريفين، ولا سيما الشيخ عبد الرحمن السديس، والشيخ سعود الشريم، إلى جانب دق الأبواب بالعصا في بعض المناطق الريفية. وبالجملة، وجدت فيها اهتمامًا كبيرًا باستغلال فترة السحور الممتدة لساعة تقريبًا في تقديم ما يتعلق بالتشويق والتنهيض والتحميس للقيام بعمل الخير. ومن الطريف جدًا، أن بعض المسلمين يقومون بتشغيل المسجل الصوتي للشاهنامة من مكبِّرات الأصوات لمساجدهم إيقاظا للمسلمين في السحور.
المسحراتي في مدينة بنارس
شهدت مدينة بنارس أساليب وألوانًا مختلفة للتسحير في شهر رمضان عبر التاريخ. حكى لي بعض المشائخ أن المسلمين في قديم الزمان كانوا يربطون قصبا طويلا بمنارة المسجد، ويعلقون عليه مصباحًا كهربائيًا عالي الجهد لتنويره وقت السحور، لكي يتأكد الصائمون من وقت السحر برؤيته من بعيد، وعند انتهاء الوقت يقومون بإطفائه إعلانًا عن انتهاء الوقت. ثم تطورت الأساليب، وطفق الشباب يتجولون داخل الحارات بالطبول والدفوف والمصابيح، يوقظون الصائمين بإنشاد الأزجال، والأبيات الدينية المختلفة من شعر الحمد والنعت والشاهنامة. ولكنهم مع مرور الوقت طوّروا طريقة التسحير من الطبول والدفوف إلى تشغيل المسجلات الصوتية لشعر الحمد والنعت والخطب الدينية في أصوات الشباب والغلمان، وأحيانًا يقومون بتشغيل شريط مسجل لأغاني المغني الهندي المعروف محمد رفيع حول بركة شهر رمضان المبارك. ولكن الطريقة السائدة الآن متطورة ومختلفة تمامًا عن الطرق التقليدية كلها؛ فيقوم المؤذن الآن بالإعلان عن وقت السحر منذ ساعة فصاعدا، ويردد الإعلان في كل عشر دقائق حتى يحين وقت الفجر.
المسحراتي في مدينتي مئو ناث وأمروها في ولاية أترابراديش
في هاتين المدينتين وفي بعض مدن جنوب الهند كذلك، يعتمد التسحير على طريقتين متوازيتين معا: إحداهما: هي الطريقة التقليدية بضرب الطبلة، وإنشاد الأزجال الدينية-الشعبية على إيقاعات الضرب، ودق الأبواب بالعصا، وأخراهما: هي طريقة التسحير المتقدمة بالإعلان عن وقت السحر من مكبرات الأصوات من مآذن المساجد مرددا الإعلان بعد كل عشر دقائق حتى يحين وقت الفجر.
ومن نافلة القول، إن أساليب التسحير الرمضانية في الهند باتت متراوحة بين التقاليد القديمة والوسائل التكنولوجية والآلية الحديثة، عندما كانت الوسائل الآلية مفقودة فيما بين الأمم والشعوب كانوا يعتمدون على الدفوف والطبول ودق الأبواب بالعصي والصفارات، ولكنهم بعد توافر الوسائل الآلية الحديثة جعلوا يتركون الوسائل التقليدية للتسحير، مع التزام بعض المناطق والمدن بالوسائل التقليدية أيضا لحد كبير إذ يقوم بعض الشباب بدور المسحراتي تطوعًا.
اقرأ أيضًا:
أجواء رمضانية في الجامعة الملية الإسلامية ومبادرة "مائدة إفطار صائم"
ولكن (كما أفادت صحيفة "منصف" الأردية الصادرة في مدينة حيدرآباد بالهند يوم 6 مارس 2025م)، أخذ بعض المثقفين الآن ينددون باستخدام كل هذه الوسائل التقليدية والوسائل الآلية المتقدمة لعملية إيقاظ الصائمين للتسحر، بدليل أن كل مسلم يمتلك الآن الساعة، والهاتف الذكي في منزله، فإنه يستطيع ضبط المنبّه للتسحير، فالإعلان من المساجد، ودق الطبول، والدفوف طيلة فترة السحور لا ينتج إلا إزعاج النائمين الذين يحددون وقتا للتيقظ والتسحر.
د. قمر شعبان هو أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية، كلية الآداب بجامعة بنارس الهندوسية، فارانسي، الهند